الشيخ محمد هادي معرفة

32

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

التي نزل بها « 1 » . وقال في تفسير سورة الإخلاص - بعد كلام تفصيليّ له عن تأويل المتشابه من الآيات ، وأنّ الراسخين في العلم يعلمون تأويله ، واستعظام أن يكون جبرائيل ومحمّد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمّة المسلمين لا يعرفون تأويل متشابه القرآن ، ويكون اللّه تعالى قد استأثر بعلم معاني هذه الآيات كما استأثر بعلم الساعة ، وأنّهم جميعا كانوا يقرأون ألفاظا لا يفهمون لها معنى ، كما يقرأ أحدنا كلاما ليس من لغته فلا يعرف معناه ، مَن قال ذلك فقد كذب على القوم ، والمأثور عنهم متواترا يناقض هذا الزعم ، وأنّهم يفهمون معنى المتشابه كما يفهمون معنى المحكَم - قال بعد ذلك : فإن قيل : هذا يُقدَح فيما ذكرتم من الفرق بين التأويل الذي يراد به التفسير ، وبين التأويل الذي في كتاب اللّه . قيل : لا يُقدَح في ذلك ، فإنّ معرفة تفسير اللفظ ومعناه وتصوّره في القلب ، غير معرفة الحقيقة الموجودة في الخارج ، المرادة بذلك الكلام . فإنّ الشيء له وجود في الأعيان ، ووجود في الأذهان ، ووجود في اللسان ، ووجود في البيان . فالكلام لفظ له معنى في القلب ، ويُكتب ذلك اللفظ بالخطّ . فإذا عُرف الكلام وتُصوّر معناه في القلب وعُبّر عنه باللسان ، فهذا غير الحقيقة الموجودة في الخارج ، وليس كلّ من عرف الأوّل عرف عين الثاني . مثال ذلك : أنّ أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وخبره ونعته ، وهذا معرفة الكلام ومعناه وتفسيره ، وتأويل ذلك هو نفس محمّد المبعوث ؛ فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك الكلام . وكذلك الإنسان قد يعرف الحجّ والمشاعر ، كالبيت والمساجد ومنى وعرفة ومزدلفة ، ويفهم معنى ذلك ولا يعرف الأمكنة حتّى يشاهدها ، فيعرف أنّ الكعبة

--> ( 1 ) - . رسالة الإكليل لابن تيميّة ، مطبوعة ضمن المجموعة الثانية من رسائله ، ص 10 و 17 - 18 .